كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالفيضانات؟ نظرة معمقة على Google Flood Hub وحوار مع ديبورا كوهين
أصبح التنبؤ بالفيضانات أحد أبرز المجالات التي توظف فيها Google تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات المناخية. ووفق أحدث المعلومات المنشورة من Google في أغسطس ويونيو 2026، أصبحت توقعات Flood Hub تغطي أكثر من ملياري شخص في أكثر من 150 دولة، مع إمكانية التنبؤ بفيضانات الأنهار حتى سبعة أيام مسبقًا، إضافة إلى نموذج منفصل للفيضانات المفاجئة في المناطق الحضرية يمكنه تقديم توقعات تصل إلى 24 ساعة مسبقًا. وفي هذا المقال نوضح كيف تعمل هذه المنظومة، وما حدودها، ولماذا يمثل نقص البيانات أحد أكبر التحديات أمام التنبؤ بالكوارث.
1. من تجربة في الهند إلى نظام عالمي
بدأت رحلة Google في مجال التنبؤ بالفيضانات على نطاق واسع عام 2018، عندما أطلقت تجربة في حوض الغانج-براهمابوترا في الهند. كانت الفكرة الأساسية هي اختبار ما إذا كان التعلم الآلي قادرًا على تحسين التنبؤ بالفيضانات في مناطق واسعة، بما في ذلك المناطق التي تعاني من نقص في محطات قياس الأنهار.
ومع مرور السنوات، تطورت النماذج والبيانات المستخدمة، وانتقلت المنظومة من تجربة محدودة إلى خدمة عالمية. وتوضح Google أن Flood Hub أصبح في 2026 يوفر توقعات لأكثر من ملياري شخص في أكثر من 150 دولة في المناطق المعرضة لأحداث فيضانات مهمة.
2. ماذا قالت ديبورا كوهين فعلًا؟
نشرت Google في أغسطس 2026 حوارًا مع ديبورا كوهين، وهي عالمة أبحاث رئيسية ضمن فريق التنبؤ بالفيضانات في Google Research. الحوار يشرح تطور النظام خلال نحو عقد من البحث، وكيف انتقلت Google من النماذج الأولى إلى منظومة تجمع بين بيانات الطقس، بيانات الأنهار، خصائص الأحواض المائية وتقنيات التعلم الآلي.
ومن المهم التمييز بين المعلومات الواردة في الحوار الرسمي وبين الاقتباسات التي قد تتم إعادة صياغتها في مقالات أخرى. لذلك، في هذه النسخة لا ننسب إلى كوهين جملًا حرفية لم تنشرها Google، وإنما نشرح أفكار الحوار بصياغة تحريرية مستقلة.
3. كيف يتنبأ الذكاء الاصطناعي بفيضان النهر؟
توضح Google أن نظام التنبؤ بالفيضانات النهرية يعتمد على مجموعة من النماذج والبيانات وليس على خوارزمية واحدة بسيطة. ويُعد النموذج الهيدرولوجي أحد المكونات الرئيسية في المنظومة.
الفكرة الأساسية هي محاولة تقدير كمية المياه التي ستتدفق في النهر خلال الأيام التالية اعتمادًا على بيانات الأرصاد الجوية والخصائص الجغرافية والهيدرولوجية للحوض المائي.
ما نوع البيانات المستخدمة؟
- بيانات هطول الأمطار التاريخية والمتوقعة.
- درجات الحرارة ومتغيرات جوية أخرى.
- خصائص الحوض المائي والتضاريس والتربة والغطاء الأرضي.
- بيانات تاريخية عن تدفق المياه في الأنهار.
- توقعات جوية تمتد إلى الأيام السبعة التالية.
وتوضح وثائق Google التقنية أن النموذج الهيدرولوجي الحالي دُرب باستخدام بيانات تدفق المياه من نحو 16 ألف محطة قياس، اعتمادًا بشكل رئيسي على بيانات Global Runoff Data Centre ومجموعة البيانات المفتوحة Caravan، إلى جانب مصادر جوية وجغرافية متعددة.
4. لماذا لا يمكن الاعتماد على محطات القياس وحدها؟
التنبؤ بالفيضانات يحتاج عادة إلى بيانات تاريخية عن الأنهار، مثل مستويات المياه ومعدلات التدفق. لكن هذه المحطات ليست موزعة بالتساوي حول العالم. بعض المناطق تمتلك شبكة واسعة من أجهزة القياس، بينما تفتقر مناطق أخرى إلى بيانات تاريخية كافية.
وهنا تظهر مشكلة تعرف في علم الهيدرولوجيا باسم Prediction in Ungauged Basins، أي التنبؤ في الأحواض التي لا تتوفر فيها قياسات كافية.
بدل بناء نموذج مستقل لكل نهر، يمكن لنماذج التعلم الآلي أن تتعلم أنماطًا من عدد كبير من الأحواض المائية ثم تستخدم المعرفة المكتسبة لتقدير السلوك المحتمل في أحواض أخرى.
وتوضح Google أن نموذجها العالمي يستخدم بيانات من آلاف محطات القياس، ثم يستفيد من التعلم المشترك بين الأحواض لتحسين التنبؤ في المناطق التي تكون فيها البيانات محدودة.
5. ماذا تعني "المحطات الافتراضية"؟
في 2024 أعلنت Google عن إضافة ما يقارب 250 ألف نقطة توقع تعتمد على ما تسميه Virtual Gauges أو "المحطات الافتراضية" في أكثر من 150 دولة.
هذه النقاط تسمح بإتاحة معلومات إضافية في مناطق تفتقر إلى محطات قياس فعلية، لكنها لا تعني وجود جهاز حقيقي على الأرض يراقب النهر.
وهذا فرق مهم جدًا عند قراءة أرقام التغطية: التغطية الجغرافية الواسعة لا تعني بالضرورة أن كل نقطة لديها المستوى نفسه من التحقق الميداني.
6. ما دور Flood Hub؟
Flood Hub هي المنصة التي تجمع توقعات الفيضانات وتعرضها بطريقة يمكن للباحثين والجهات المختصة والمستخدمين الاستفادة منها. وتعرض المنصة معلومات مرتبطة بمخاطر الفيضانات المتوقعة، بينما يمكن لبعض الجهات المتخصصة الوصول إلى البيانات والواجهات البرمجية التي توفرها Google.
كما تشير Google إلى أن معلومات الفيضانات يمكن أن تظهر للمستخدمين من خلال منتجات مثل Search وMaps في الحالات التي تتوفر فيها معلومات مناسبة.
النموذج الهيدرولوجي يتوقع تدفق المياه ومستويات الخطر المحتملة خلال الأيام التالية، ويمكن أن تصل فترة التوقع إلى سبعة أيام.
طورت Google نموذجًا مختلفًا للفيضانات المفاجئة في المناطق الحضرية، وتصل توقعاته حاليًا إلى نحو 24 ساعة مسبقًا.
تتيح Google أيضًا بيانات وأدوات بحثية تساعد المؤسسات والخبراء على تحليل مخاطر الفيضانات وتطوير تطبيقات للإنذار والاستجابة.
7. Groundsource: كيف عالجت Google مشكلة نقص بيانات الفيضانات المفاجئة؟
من أكبر التحديات أن الفيضانات المفاجئة في المدن لا تترك دائمًا سجلات قياس منظمة مثل الفيضانات النهرية. ولهذا قدمت Google في 2026 منهجية جديدة أطلقت عليها اسم Groundsource.
وفق Google، استخدمت المنهجية نموذج Gemini لتحليل أكثر من 5 ملايين تقرير إخباري عن الفيضانات يمتد إلى نحو 20 عامًا. ومن هذه العملية جرى إنشاء قاعدة بيانات تضم نحو 2.6 مليون حدث فيضان تاريخي في أكثر من 150 دولة.
الفكرة هنا مهمة جدًا: بدل انتظار وجود أجهزة استشعار في كل مدينة، استخدمت Google المعلومات الموجودة في التقارير العامة لبناء سجل تاريخي يمكن الاستفادة منه في تدريب نماذج جديدة.
8. الفرق بين فيضانات الأنهار والفيضانات المفاجئة
من الأخطاء الشائعة التعامل مع كل الفيضانات كأنها ظاهرة واحدة. لكن تقنيًا هناك اختلاف مهم بين الفيضانات النهرية والفيضانات المفاجئة.
فيضانات الأنهار
تحدث عندما يرتفع تدفق المياه في نهر أو مجرى مائي إلى مستوى يؤدي إلى تجاوز قدرته الطبيعية أو إلى غمر المناطق المحيطة. يمكن للنماذج الهيدرولوجية الاستفادة من بيانات تاريخية لمحطات قياس الأنهار.
الفيضانات المفاجئة
قد تحدث بسرعة كبيرة، وقد تقع بعيدًا عن الأنهار الرئيسية. ولهذا فإن الحصول على سجل تاريخي موثوق عنها أصعب، وهو أحد الأسباب التي دفعت Google إلى تطوير Groundsource ونموذج منفصل للفيضانات المفاجئة الحضرية.
9. هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالفيضان بدقة 100%؟
لا. وهذه نقطة أساسية ينبغي توضيحها للقارئ.
النماذج العلمية تنتج توقعات واحتمالات وليست ضمانات. وكلما زادت مدة التنبؤ، يمكن أن تتراكم حالة عدم اليقين في البيانات الجوية والهيدرولوجية. كما تختلف جودة النموذج حسب الموقع وتوفر البيانات وإمكانية مقارنة التوقعات بما حدث فعليًا.
ولهذا تستخدم Google عمليات تقييم وقياس لأداء النماذج في الأحواض التي تتوفر فيها بيانات تاريخية. أما المناطق التي لا تتوفر فيها بيانات كافية، فتظل عملية التحقق أكثر صعوبة.
10. هل الذكاء الاصطناعي استبدل النماذج الفيزيائية؟
ليس من الدقيق القول إن الذكاء الاصطناعي ألغى علم الهيدرولوجيا التقليدي. الواقع أكثر تعقيدًا.
النظام يعتمد على بيانات مرتبطة بالطقس وخصائص الأحواض المائية وتدفق الأنهار، بينما تستخدم نماذج التعلم الآلي لاكتشاف العلاقات بين هذه البيانات وإنتاج توقعات مستقبلية.
وتشير Google إلى أن النموذج الهيدرولوجي الحالي مبني على بنية LSTM لمعالجة السلاسل الزمنية، مع إدخال بيانات جوية وجغرافية وهيدرولوجية متعددة.
لذلك يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جديدة ضمن منظومة علمية أوسع، وليس بديلًا كاملًا عن المعرفة الفيزيائية أو القياسات الأرضية.
11. كيف يمكن أن تساعد هذه التوقعات الناس فعليًا؟
القيمة الحقيقية لأي نظام إنذار مبكر لا تكمن فقط في إنتاج رقم على شاشة، وإنما في منح الأشخاص والمؤسسات وقتًا إضافيًا لاتخاذ قرار.
- إجلاء الأشخاص من المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.
- حماية الوثائق والممتلكات المهمة.
- نقل المعدات والحيوانات في المناطق الزراعية.
- تجهيز فرق الطوارئ قبل ارتفاع المياه.
- تحديد المناطق التي قد تحتاج إلى مساعدات عاجلة.
- دعم المنظمات الإنسانية في التخطيط للاستجابة.
وتشير Google إلى أن منظمات إنسانية استخدمت بيانات التنبؤ بالفيضانات لاتخاذ إجراءات استباقية، مثل تقديم مساعدات نقدية قبل ارتفاع المياه في بعض المناطق المتضررة.
12. هل يمكن استخدام التقنية للتنبؤ بالحرائق والجفاف؟
هناك بالفعل أبحاث أوسع داخل Google لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات مرتبطة بالكوارث والطقس المتطرف، لكن من الضروري عدم الخلط بين ما هو مطبق حاليًا وما هو موضوع بحث مستقبلي.
في المعلومات المنشورة عام 2026، ذكرت Google أنها تبحث في إمكانية الاستفادة من منهجية Groundsource في أحداث أخرى مثل موجات الحر والانهيارات الطينية. كما تعمل Google على استخدام الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية في رصد حرائق الغابات.
13. ماذا عن تغير المناخ؟
الفيضانات مرتبطة بمجموعة من العوامل، منها الأمطار، خصائص الأحواض، حالة التربة، التضاريس وتدفق الأنهار. أما تغير المناخ فيؤثر في أنماط الطقس والهطول ودرجة الحرارة، لكن من الأفضل عدم اختزال كل فيضان في سبب واحد.
لذلك، تساعد أنظمة التنبؤ بالذكاء الاصطناعي أساسًا في فهم الخطر المتوقع في الأيام القادمة واتخاذ إجراءات مبكرة، بدل أن تكون أداة لحساب التأثير الكامل لتغير المناخ على جميع الفيضانات حول العالم.
14. ما حدود هذه التقنية؟
- جودة البيانات: النماذج تحتاج إلى بيانات جيدة للتدريب والتحقق.
- المناطق غير المقاسة: غياب محطات القياس يجعل تقييم الأداء أكثر صعوبة.
- عدم اليقين: لا توجد توقعات مضمونة بنسبة 100%.
- اختلاف أنواع الفيضانات: فيضان النهر يختلف عن الفيضان المفاجئ الحضري.
- الحاجة إلى الجهات المحلية: التنبؤ وحده لا يكفي؛ يجب أن توجد قنوات إنذار واستجابة على الأرض.
- التغطية ليست متساوية: وجود توقعات في أكثر من 150 دولة لا يعني أن كل منطقة داخل هذه الدول تتمتع بالمستوى نفسه من التحقق.
15. ماذا يعني هذا بالنسبة لمستقبل الإنذار المبكر؟
التطور الأهم في تجربة Google ليس مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بارتفاع المياه، بل محاولة بناء منظومة تستطيع العمل على نطاق عالمي رغم اختلاف كمية البيانات بين منطقة وأخرى.
ففي النموذج التقليدي، كانت البيانات المحلية عنصرًا أساسيًا لبناء وتقييم النماذج. أما التعلم الآلي فيتيح الاستفادة من بيانات آلاف الأحواض المائية والتعلم من الأنماط المشتركة بينها.
لكن التوسع العالمي لا يلغي الحاجة إلى القياسات الأرضية. على العكس، تبقى المحطات والملاحظات المحلية ضرورية للتحقق من جودة التوقعات وتحسين النماذج.
16. الخلاصة
توضح تجربة Google Flood Hub كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح جزءًا من البنية التحتية الحديثة للإنذار المبكر. فمنذ تجربة 2018 في الهند، تطورت الأبحاث إلى نماذج عالمية تغطي أكثر من ملياري شخص في أكثر من 150 دولة وفق بيانات Google المنشورة في 2026.
لكن الصورة العلمية الحقيقية أكثر دقة من فكرة أن "الذكاء الاصطناعي يستطيع معرفة مكان الفيضان بدقة كاملة". النظام يعتمد على توقعات جوية وبيانات هيدرولوجية وجغرافية ونماذج تعلم آلي، وتختلف جودة النتائج حسب الموقع وتوفر البيانات وإمكانية التحقق.
كما أن ظهور Groundsource يوضح اتجاهًا جديدًا: استخدام الذكاء الاصطناعي ليس فقط لتحليل البيانات العلمية المنظمة، بل أيضًا لتحويل ملايين المصادر العامة غير المنظمة إلى قواعد بيانات يمكن استخدامها في أبحاث الكوارث.
وفي النهاية، تظل التكنولوجيا جزءًا من منظومة أكبر تشمل الحكومات والباحثين وخدمات الأرصاد والدفاع المدني والمنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية. فالإنذار المبكر يصبح ذا قيمة حقيقية عندما يتحول التنبؤ العلمي إلى معلومة تصل في الوقت المناسب وتساعد الناس على اتخاذ إجراء مناسب.
Google Research – How Google uses its AI to predict floods, August 18, 2026.
Google Research – How Google supports crisis response in natural disasters, June 23, 2026.
Google Research – An improved flood forecasting AI model, trained and evaluated globally, November 11, 2024.
Google Research – Using AI to expand global access to reliable flood forecasts.
Google Flood Forecasting – Our Models.
